محمد الريشهري

580

كنز الدعاء

حَدِّهِ ، ودافَ « 1 » لي قَواتِلَ سُمومِهِ ، وسَدَّدَ نَحوي صَوائِبَ سِهامِهِ ، ولَم تَنم عَنّي عَينُ حِراسَتِهِ ، وأَضمَرَ أن يَسومَنِي المَكروهَ ، ويُجَرِّعَني زُعافَ « 2 » مَرارَتِهِ ، فَنَظَرتَ يا إلهي إلى ضَعفي عَنِ احتِمالِ الفَوادِحِ ، وعَجزي عَنِ الانتِصارِ مِمَّن قَصَدَني بِمُحارَبَتِهِ ، ووَحدَتي في كَثيرِ عَدَدِ مَن ناواني ، وأَرصَدَ لِيَ البَلاءَ فيما لَم اعمِل فيهِ فِكري ، فَابتَدَأتَني بِنَصرِكَ ، وشَدَدتَ أزري بِقُوَّتِكَ ، ثُمَّ فَلَلتَ لي حَدَّهُ وصَيَّرتَهُ مِن بَعدِ جَمعٍ وَحدَهُ ، وأَعلَيتَ كَعبي عَلَيهِ ، وجَعَلتَ ما سَدَّدَهُ مَردوداً عَلَيهِ ، فَرَدَدتَهُ لَم يَشفِ غَليلَهُ ، ولَم يَبرُد حَرارَةُ غَيظِهِ ، قَد عَضَّ عَلى شَواهُ « 3 » ، وأَدبَرَ مُوَلِّياً قَد أخلَفَت سَراياهُ . وكَم مِن باغٍ بَغاني بِمَكائِدِهِ ، ونَصَبَ لي أشراكَ مَصائِدِهِ ، ووَكَّلَ بي تَفَقُّدَ رِعايَتِهِ ، وأَضبَأَ « 4 » إلَيَّ إضباءَ السَّبُعِ لِمَصائِدِهِ ، انتِظاراً لِانتِهازِ الفُرصَةِ لِفَريسَتِهِ ، فَنادَيتُكَ يا إلهي مُستَغيثاً بِكَ ، واثِقاً بِسُرعَةِ إجابَتِكَ ، عالِماً أنَّهُ لَم يُضطَهَد مَن أوى إلى ظِلِّ كَنَفِكَ ، ولَن يَفزَعَ مَن لَجَأَ إلى مَعاقِلِ انتِصارِكَ ، فَحَصَّنتَني مِن بَأسِهِ بِقُدرَتِكَ . وكَم مِن سَحائِبِ مَكروهٍ قَد جَلَّيتَها ، وغَواشي كُرُباتٍ كَشَفتَها ، لا تُسأَلُ عَمّا تَفعَلُ ، ولَقَد سُئِلتَ فَأَعطَيتَ ، ولَم تُسأَل فَابتَدَأتَ ، وَاستُميحَ فَضلُكَ فَما أكدَيتَ ، أبَيتَ إلّا إحساناً ، وأَبَيتُ إلّاتَقَحُّمَ حُرُماتِكَ ، وتَعَدِّيَ حُدودِكَ ، وَالغَفلَةَ عَن وَعيدِكَ ، فَلَكَ الحَمدُ إلهي مِن مُقتَدِرٍ لا يُغلَبُ ، وذي أناةٍ لا يَعجَلُ ، هذا مَقامُ مَنِ اعتَرَفَ لَكَ بِالتَّقصيرِ ، وشَهِدَ عَلى نَفسِهِ بِالتَّضييعِ ! اللَّهُمَّ إنّي أتَقَرَّبُ إلَيكَ بِالمُحَمَّدِيَّةِ الرَّفيعَةِ ، وأَتَوَجَّهُ إلَيكَ بِالعَلَوِيَّةِ البَيضاءِ ، فَأَعِذني مِن شَرِّ ما خَلَقتَ ، وشَرِّ مَن يُريدُ بي سُوءاً ، فَإِنَّ ذلِكَ لا يَضيقُ عَلَيكَ في وُجدِكَ ، ولا

--> ( 1 ) . دافَ : خَلَطَ ( النهاية : ج 2 ص 140 « دوف » ) . ( 2 ) . الزُّعافُ : الشديد ( لسان العرب : ج 9 ص 134 « زعف » ) . ( 3 ) . الشَوى : الأطراف ( النهاية : ج 2 ص 512 « شوى » ) . ( 4 ) . أظبَأ : أي لزق بالأرض يَستتر بها ( النهاية : ج 3 ص 69 « ضبأ » ) .